السبت، 11 ديسمبر 2010

أغلقو مفارخ الإرهاب . بقلم دكتور سيد القمنى _ منقول


• بقلم: د. سيد القمنى

إن الإرهابي حتى يكون إرهابيا لابد أن يتهيأ نفسيا و عقليا للقيام بعمله ، أولا ما يتعلق بمصلحته الشخصية

فلابد أن يؤمن أولا و يصدق أن الحياة مرحلة مؤقتة و أنه إلى خلود في نعيم أبدي من اللذائذ الحسية الغرائزية ، و أن تخليه عن مرحلة الدنيا القصيرة سيعود عليه بالرضى الإلهي لأنه شهيد في سبيل هذا الإله ،و كي يؤمن بهذا لابد قبله أن يكون قد انتهى إلى أن ما يؤمن به هو الصح الوحيد المطلق و الطهارة الكاملة و النموذج الأمثل ، و أن الأخرين على باطل . هنا يأتي دور التكفير، و هو أن المختلف عني هو عدو بالضرورة و مجرم بالضرورة و يستحق القتل بالضرورة ، و يغدو القتل هنا ليس فعلا إجراميا و لا غدرا ، أنما يصبح قمة الإيمان و التصديق بهذا الإيمان ، لهذا يغدو القاتل قديسا بالضرورة . و بين العناصر السابقة ينزلق عنصر اّخر ليشكل الملاط الرابط في بناء الإرهاب هو العنصرية الطائفية التي لا ترى في الذات سوى الصفاء الملائكي كله و في الاّخر الشيطان متجسدا.

و لو فحصنا كل هذه المسلمات بالعقل مجردا لن تجد لتصديقها دليل واحد أو حتى قرينة تؤكد صدق هذه المسلمات ، فكيف لعقل يقدم على الموت مختارا ألا يبحث عن مدى الصدق و اليقين فيما هو مقدم عليه ، و أن يكون اختياره قائما فقط على الانبهار بسيرة الأنصار و المهاجرة ، لأنه بالطبيعة البشرية و بدون وعي سيكون الترتيب لأول الأهداف هو المصلحة الشخصية و العائد المضمون ، هنا تجد اّليات أخرى لصنع الإرهاب أولها تغييب العقل عن عمله الذي هو الفحص و النقد و التمييز و عدم قبول صحة فكرة إلا بأدلة و قرائن يقبلها هذا العقل ، هنا يتم تحويل هذا العقل عن دوره الطبيعي و قوانينه الموضوعية ، إلى منطقة يتعطل فيها عمل العقل و لا يؤدي دوره ، هي منطقة اللاهوت و الغيوب التي لا يستطيع أحد أن يقول فيها شيئا يمكن أن تثبته أو تنفيه أو تصفه بالصدق أو الكذب ، لأنه عالم غيبي لا مكان فيه لعقل إنساني أو لمنطق ، عقل يعتبر كل شئ ممكن و كل فعل هو لله وحده و أننا مجرد أدوات بيده ، هناك ممكن أن يُمسخ الإنسان خنزيرا أو قردا أو سمكة ، و أن تبيد الشعوب العاصية بصيحة ، هناك عالم لا علاقة لعقلنا به ،هناك عالم الجن و الشياطين و السراط و الثعبان الأقرع و الزبانية و الملائكة و الخلد ، يمكن لأي أحد أن يقول فيه أي شئ دون دليل أو منطق ، يقولون جبريل له ستمائة جناح ، هو قول ، لا رأينا معه جبريل و لا أجنحته و لا دليل أو أثر مادي عليه ، هنا منطقة إلغاء العقل و تحويل العقل الحر إلى عبد تابع يصدق و يصدع بما يؤمر ، و في هذه الحال سيكون أي استفسار هو زيغ عن الإيمان و التصديق. فمع الاعتقاد بعالم ليس له أي قواعد عقلانية ، أي أنه عالم لا يقين عليه بالمفهوم من معنى اليقين ، هو اعتقاد بالخرافة و الأسطورة حيث يجوز حدوث أي مُبهر أو إعجازي أو أي كسر لقوانين الطبيعة المألوفة مع الانبهار بقدرة الخالق في معجزات هي مجرد كلام لا دليل عليه .
و في هذه المنطقة هناك فقط نوعين من البشر ، من يزعمون أنهم المترجمون الحقيقيون لطلاسم ذلك العالم الخفي ، و من عليهم الطاعة التامة و الاستسلام الكامل ، للخروج عن طاعة العباد إلى طاعة رب العباد .

و تجمع كل هذه الأطراف نفسها داخل مصفوفة متراصة وراء أداة التحريك و تطبيق النص على الواقع ، و أداة التحريك تلك أو الطاقة الدافعة للحركة اسمها الفتوى ، التي تقف وراءها دعما و نصرة أموال البترودولار الإسلامية التي لا تبخل و لا تقصر لحظة ، بنهر مال قادر على فتح مئة فضائية إسلامية في ليلة واحدة . و أن يأتي عاكف المرشد السابق للإخوان لو شاء بمليار دولار في ساعة واحدة بإشاره من إصبعه (و طقطق بالإبهام والوسطى هكذا) كما قال يوما .

الفتوى هي في عقل المؤمن تصدر من علماء دين هم ورثة الأنبياء لذلك هي على اتصال بذلك العالم الغائب و أصحابها هم الأقدر على التفاهم معه ، و ما على المؤمن سوى التسليم بها و العمل بموجبها ، ، و بهذا المعنى هي الاّلية التي ستضفي الشرعية على كل الاّليات السابقة للعمل ، بحسبانها القادرة على إنزال النص القديم على الواقع المعاصر بوراثتها للنبوة التي هي اتصال بالسماء ، لأنهم ورثة الأنبياء.

الخرافة تشير إلى عالم أو أشياء وهمية غير موجودة ، و الإيمان بالغيب هو شرط لأي إيمان ديني و شرط صحة إسلام المسلم ، و مع ذلك لا يكل المشايخ من تأكيد أن الإسلام ضد الخرافة و ضد السحر ، و مع ذلك لا يكلون أيضا الحديث عن الحسد و لبس الجن لبني اّدم و العلاج بالقراّن ، و بخلطهما الدائم يضيع العقل المؤمن ما بين الذهان والهذيان ، كالذي يخلط بين أحداث يقظته و أحداث منامه ، فلا يعود يميز بينهما ، و تتحول أي خرافة إلى حقيقة ، و أي فعل مهما كان شريراً إلى فعلا ملائكي خالصا لوجه الله المفروض أنه الخير كله.

الفاضح و الواضح و البسيط أن المفتى بما يفعل إنما يقول للناس أنه قد جاء ليكمل نقصا عند الرب بالفتوى ، بينما المسلم الطبيعي يؤمن بخالق خلق الكون كله في انسجام و تناغم و دون تناقص أو تعارض ، و أن أي خلل في هذا الانسجام يكون مدمرا ، لذلك لم يخلق الله ما يعارض هذا الانسجام مدعيا أنه جاء ليكمل نقصا عند رب الأرباب . و هو غير المحتاج المستغني بذاته ، و يجد من يجترئ أن يضيف إلى كونه و مخلوقاته التوازن و التكامل ، بينما هكذا أراده الله أمما و شعوبا و قبائل ليتعارفوا و ليس ليقتل بعضهم بعضا لتوحيدهم - ضد إرادة الله - في قبيلة واحدة .

و هكذا ما عاد أحد ينشغل في بلادنا بمهام العقل الإنساني الضعيف العاجز ، و ما عاد يشغلنا ما يحدث في العالم من حولنا من كشوف إعجازية مادية مرئية ، و هنا أصبح الأميون من علماء عالم الغيب في بلادنا هم أهل كل المعارف الصحيحة و هم القادة الاّمرين .

الأفدح في كل هذا أن يصل اليقين ببعضنا إلى الشعور بالتميز عن تلك العوالم المتقدمة ، و أن تميزنا مستمد من ديننا و ليس من شئ صنعنها بأيدينا ، يفاخرون الأّخرين بالإسلام ، حتى أننا محسودون من بلاد الحريات لما نحن فيه من عفن و تخلف .بينما الاّخرين لديهم أديان مثيلها و أكثر منها أودعت معظمها المتاحف ، كلامنا مديح أو تقديح ، شعر فخر أو شعر هجاء ، نفاخر بكلامنا من امتلكوا الفضاء و نباهيهم بأننا حطمنا هبل و اللات و تماثيل بوذا في باميان. نباهي الغرب الطاغوتي بدين كان يخاطب أمة أمية و نبي أمي و لم يكن يخاطب مؤتمرا علميا و لا مجلس لإدارة علوم فضائية فى ناسا، و عندما عجزنا عن مشقة السعي وراء البحث العلمي حيث يتنافس المتنافسون و يخترع المخترعون ، وقفنا رغم تميزنا المزعوم في طابور المستهلكين للحضارة ، و مع الشعور بالتخلف و العار ينشأ الحقد على هذا المتفوق ، و هنا تكفي أي فتوى أو إشارة ليتفجر هذا الحقد بحزام ناسف وسط السعداء الاّمنين في بلادهم بعلمهم و قيمهم.

أن الدول المحترمة لا تسمح لكل من هب و دب أن يكسر القانون باسم أي دين كان ،و لا أن يخرج علينا بتشريع لم يتواضع عليه المجتمع نيابيا ، فمن يصدر الفتوى بدون طلب رسمي من الحكومة هو وفق القانون شخص خارج عن القانون يحرض على التمرد و الفتن بما يهدد أمن المجتمع ، و أن تتم محاكمة هؤلاء لتكدير السلم الوطني والخروج على القانون ،إن جبهة علماء الأزهر التي أفتت بكفر فرج فودة و حرضت على قتله باّيات و أحاديث لم يحاكم أحدهم حتى اليوم، بل إن محاكمة القاتل بعد موت فرج تحولت إلى محاكمة للقتيل.

إن الدول المحترمة لا تترك تعليمها و إعلامها و مساجدها و زواياها لفكر طائفة واحدة من طوائف المجتمع و لا لأيدلوجيا جماعة بعينها لأن تلك هي الفاشية بعينها ، و لا تترك الشوارع و المواصلات العامة تحمل الملصقات الطائفية و التحريضية من كل لون و صنف. الدول المحترمة تضع من صنع هذه الشعارات و من طبع و من لصق و من وزع تحت الحاكمة الفورية لتهديدهم الأمن الوطني ، مع إزالة تلك الشعارات و الملصقات ، و العودة إلى نظام تعليم ينشئ عالما ومكتشفا و مخترعا لا يشغله أصول الاستنجاء و لا أحكام الحيض، و نظام إعلام محترم متوازن يراعي المساواة بين مواطنيه بل و يؤسس لهذا التوازن في وعي الناس ، حتى يعود حتى يعود الوطن للظهور مرة أخرى من تحت ركام الصحوة العشوائية. حتى لا نكون دولة بلا شكل و لا لون و لا مذاق ، دولة تزعم أنها حديثة ، و تعمل هي و شعبها وفق المنظومة الفتوية التي لا تملك سوى تشريعات القرون السوداء في تاريخ البشرية .دولة أصبح فيها رجل الدين صاحب حق في التدخل في كل شئ و في حياة الفرد و الجماعة و القانون ، بل و يتدخلون في الطب و الفيزياء و الكيمياء و علوم الوراثة والفضاء و البحار و الزراعة و الصناعة و الاقتصاد ، فمن مثلنا في العالمين؟ و هل لهذا يعضون علينا الأنامل حسدا من الغيظ و كمدا؟! هذا بينما لا يسمح تجار الدين لأحد طبيبا أو فيزيائيا أو فيلسوفا بالتدخل في الشأن الديني لأنه تخصص له قواعده و أصوله.

إن الفتوى عندما تصدر فهي واجبة التنفيذ و ليست مشروع قانون يُطرح للمناقشة و التصويت ،هي بحد ذاتها قانون صادق دون حاجة لمناقشة ، هي تامة كاملة جامعة مانعة ، هي مقدسة قدسية ورثة الأنبياء.

المفتي لا يعرف شيئا اسمه الوطن فولاءه للدين و ليس للوطن، و بالتالي فإن أي اّخرين في هذا الوطن هم عالم خفي غير موجود ، و لا يتضمن فتواه و لو من باب العدل حدودا واضحة أين تقف حريته و أين حقوق هؤلاء الاّخرين.

المفتي في زماننا لا يرى خيرا من أي لون، كل ما حدث حولنا هو عرض دنيوي زائل ، بل أن الحديث مُدان لصالح قديمنا المُقدس ، الذي هو المسئول الأول عن كارثتنا و تخلفنا بالقياس على بلاد العالمين.

و الفتوى عندما تختص بطائفة أو مذهب أو دين من بين أديان و طوائف و مذاهب عديدة في الوطن ،فإنها تتضمن بالضرورة استبعاد هؤلاء من المواطنة و ليس فقط من الدين، و يصبحون كافرين بالضرورة ، لذلك فإن تكفير المختلف و ما يترتب عليه من أحكام تنفيذية هي جزء لا يتجزأ من منظومة الفتوى حسب شروطها المعلومة و العلنية ،و لا غرابة أن تجد التكفير عنصر أساسيى في بنية الفكر الديني المتطرف و ما يسمونه الفكر الديني المعتدل. و لا ترى في هذه المنظومة المرتبة المترابطة سوى أن أصحابها يشعرون أن عقيدتهم هي الأضعف و أنها القابلة للهزيمة.

انظر معي إلى من يسمونه الشهيد سيد قطب، و هو قطب الدائرة في الفكر الإسلامي السائد الاّن، يرى أن الحاكمية هي أخص خصائص الألوهية، و أن أي محاولة للحكم بطرائق البشر هو اعتداء على سلطان الله و رٍدة إلى الجاهلية ، لذلك فإن كل المجتمعات المسلمة عادت جاهلية لتطبيقها قوانين دستورية بشرية. و أن الحاكم يتم اختياره بغير الطريق الشرعي. و أن على المسلم ألا يتطلع لأي شئ في الشأن الدنيوي سوى مشاركته في إقامة مملكة الله على الأرض، المسلم ليس من حقه أن يشرع لنفسه كبقية الخلق في الدنيا إنما عليه فقط التنفيذ .

و يؤكد قطب شارحا : أن المسلم الحق هو كالجندي عليه الامتثال و الطاعة و التنفيذ دون أن يعمل عقل أو يطلب إقناعا. و هؤلاء هم من يشكلون الأمة المسلمة خير أمة أُخرٍجت للناس، و أنهم من سيبعثون الإسلام من على قطعة أرض يسيطرون عليها، و منها يبدأ استلام المسلمين قيادة البشرية.


و هذا الكلام السُني العتيد لا تخالفه الشيعة في قليل أو كثير ، لكن أي من الفريقين من ستُناط به المهمة؟ هنا لابد من تصفية الموقف أولا بين الفريقين بإبادة أحدهما للاّخر، الأغرب أنهم و هم في هذا الهوان سيقودون البشرية بينما لم يتفقوا أصلا حول نوع الإسلام الذي يطبقونه على البشرية، بل إن السنة و الشيعة نفسها تفككت إلى فرق و نٍحل من داخلها، فالسنة تفككت إلى أربع مذاهب في القرن الثالث الهجري ، و تفكك أكثرها تشددا (الحنبلي) إلى عدد من التيارات المتنافسة على المزيد من التشدد ، كما عند ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ، و عنه انبثقت دعوة لإسلام جديد مُغرق في نصيته و تخلفه هو الوهابية. أما الشيعة فقد تعددت فيها الفرق بما يند عن الحصر من الجعفرية إلى الزيدية إلى العلوية إلى الأسماعيلية إلى العباسية إلى النصيرية...الخ...الخ.

العنصرية تنضح بفجاجة دون أي شعور بالعيب أو العار بل الفخار، تضع المعايير للمواطن الأمثل ، في الزي المختلف (خالفوهم ما استطعتم-محمد-ص) والسلوك المخالف للسلوك العام و المصادم له ، واعتماد عادات مستجلبة من بلاد وبيئة غير عادات شكلها تاريخ المكان و بيئته فيخرب المكان ، و يتحول المواطن إلى إعلان دعائي مُتحرك غير مدفوع الأجر، لقد حققت الفتوى نبؤة النبي ص بانقسام المسلمين إلى ثلاث و سبعين فرقة جاءوا كلهم بفتاوى فمنشأ كل فرقة فتوى .

مسألة في بساطة جملة واحدة قسمت المسلمين فرقا و هي (مرتكب الكبيرة كافر أم مسلم؟) ، جاءت إجابة (واصل بن عطاء) أن هذا المسلم في منزلة بين المنزلتين ، بينما كانت إجابة (الحسن البصري) أنه كافر بلا جدال، فنشأ عن هذا الخلاف انقسام في الفريق إلى معتزلة و أهل سنة و جماعة وأشاعرة وماتريدية .

تعالوا نستروح قليلا في حدائق فقهنا لنعرف كيف نشأت فرقة النجدات الخارجية ، و ذلك من عبد الرحمن عبد الله المشيخ في مقدمته لترجمة كتاب (القضاء و القدر) لمونتجمري وات ، يقول :"عندما نقرأ في كتب أصحاب المذاهب و الفرق أن فرقة خرجت لمحاربة الكفار ، يكون المقصود هنا المخالفين في الرأي حتى لو كانوا من الفرقة نفسها. و من هنا كان المطلوب هو الحصول على نسائهم و متاعهم ".

و في مقالات الإسلاميين نقرأ أن خلافات كلامية نشأت بسبب أن ابن نجده مؤسس مذهب النجدات ، استولى مع جماعته (الخوارج) على عدد من نساء مُخالفيهم في الرأي من القطيف ، و نكحوا النساء قبل تقسيمهن بين المحاربين ، أي قبل أن يذهب بهن لأبيه لتقسيمهن على الناكحين ، و نشأ عن هذا الموقف مبدأ كلامي (من علم الكلام) شديد الأهمية استغرق فيه فصولا ، ذلك أن ابن نجده اعتذر لأبيه بأنه لم يكن يعلم الحكم الشرعي في تقسيم السبايا ، فنكح هو و أصحابه بحسن نية ، فعذرهم سيدهم نجده لجهالتهم بأصول الشريعة. و لكن أتباع نجده اختلفوا فمنهم من وافقه ، و منهم من عاب على نجده مسامحة ابنه ،فظهر مذهب جديد شكل فصولا من علم الكلام.

إن هؤلاء المحاربين حاربوا مسلمين من مذهب مختلف ، فقاموا يناهضون هذا الكفر المختلف و المبادرة إلى نكاح الكافرات ليردوا لله مهابته و كرامته ، و لم تنته المسألة عند هذا الحد بل دخلت الدين و أنشأت فيه مبدأ كلامي جديد أهم معالمه (العذر بالجهاله). و لدعمه نسبوا إلى النبي (ص)حديثا عن رجل ناعس يسري ليلا إلى بيته فيفتح بيت غيره و هو ناعس، و يدخل فيجد امرأة نائمة فيحتسبها زوجته فيقع عليها ، و لا يعلم بما حدث إلا عندما يفيق صباحا ، مثل هذا الناعس لم يرتكب جريمة وفق المبدأ النجداتي الكلامي ، فهو معذور بالجهالة.

وهكذا كانت الفتوى و التكفير من أشد أعداء الإسلام و المسلمين فقسمتهم شذرا مدرا ، فقد خلق الله البشر و أعد لهم الدنيا ليعمروها و ليس لتعديل الإسلام و تحسينه بما ينتهي به أشلاءا.

ثم انظر للعدالة المتوخاة و المرعية في مشكلة النكاح قبل أم بعد القسمة، يعني هتك عرض المسلمات الأسيرات من الفريق المهزوم بعد تقسيمهن على المحاربين لا مشكلة فيه، المشكلة هي في إقرار العدل ،قبل القسمة أم بعدها؟ و مع ظهور هذا المبدأ الكلامي النجداتي أصبح الإسلام عرضه للخطر، لأن فرقا بعدهم جاءت و فعلت فعلهم و نكحت السبايا قبل القسم و هو ما شغله نقاش طويل حول هل النكاح قبل أم بعد القسمة. و الموضوع كله قائم على موقف أب من ابن أخطأ في حق الشرع فأراد له مخرجا، فالإبن أنما نكح قبل القسمة بحسن نية. بينما النجدات أنفسهم قد وضعوا مبدأ العذر بالجهالة لشعورهم أن الدين كان في خطر فدققوا في حقوق الله بشدة و اختلفوا حول موعد النكاح فظهر المذهب الجديد.(انظر كيف تنشأ مذاهبنا؟) . و مثل النجدات كانت بقية الفرق تربط المصالح بالدين و تفصل الدين إلى أزياء، يقصون من الدين و يقيمون مذهب الماتريدية أو الأشاعرة ، يقصون من الدين و يقيمون جماعة الإخوان المسلمين، يقصون من الدين و يقيمون جماعة ابن عبد الوهاب، يقصون من الدين و يقيمون القاعدة، و كلها خلافات دنيا و سياسة و مكاسب بفعل البشر و عقل البشر و نزعات البشر ، و القرضاوي و ابن لادن و العوا و الإخوان و القاعدة هم مأساة هذه الأمة المنكوبة.

من نوادر دار الإفتاء المصرية و هي واحدة من أعتى الحصون الفاشية في العالم الإسلامي ،أن رأسها الكبير فضيلة الفوهر على جمعه انتقد بشدة الاستفتاء السويسري بحظر بناء الماّذن بسويسرا ،و أن ذلك فيه تعمد لإهانة المسلمين. هذا الرأس نفسه هو من أصدر فتوى "إن وصية المسلم ببناء كنيسة هو معصية كمثل من أوصى لبناء ناد للقمار أو مكان لتربية الخنازير و القطط و الكلاب-فتوى رقم 1809 لسنة 2008" .رغم أن مسجد النبي لم يكن له مئذنة، و لم يعرف العرب المئذنة إلا بعد احتلالهم العراق و رؤيتهم للزقورات البابلية العراقية القديمة و هي هياكل وثنية كان هدفها اقتراب الكاهن من رب السماء للتواصل معه ،فصنعوا المئذنة مثلها بالظبط و هو ما يتمثل في المئذنة المتلوية في العراق كأول مئذنة في الإسلام وهى زقورة نموذجية ،ثم تطور الأمر بعد ذلك فنيا على يد أبناء الحضارات المفتوحة.

إن النظام الفتوى كله بهيئاته و مشايخه هو أكبر خطر على الإسلام و الأوطان ،لأن الفتوى تشريع لا يصح أن يصدر عن فرد مهما بلغ حجمه و لا عن هيئة لاهوتية مهما كان اسمها لأن التشريع القانوني هو ما يجري في أروقة المجالس النيابية بما فيه صالح المجتمع كله ، و بين القضاة و المحامين و النيابة و المداولات في المحكمة حتى يتم تلافي كل نقص ممكن، و عندما يتم تشريعه يكون معلوما أنه ليس أبديا إنما يمكن تغييره إذا حدثت مستجدات لا يتلاءم معها، بينما المفتي يعطيك الفتوى قبل أن يرتد إليك طرفك، بتشريع قطعي لا يحتمل شكا أو نقاشا صالحا لكل زمان و مكان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق